خدوم عوض.. اسم بارز في تاريخ التعليم والعمل النسائي بكردفان
الأبيض : بلو نايل بوست Blue Nile Post

خدوم عوض.. رائدة التعليم والعمل النسائي التي كرّست حياتها لخدمة السودان
الأبيض – بلو نايل بوست
في مدينة الأبيض بشمال كردفان، عام 1936، وُلدت خادم الله عوض سعيد، التي عُرفت لاحقًا باسم «خدوم عوض»، لتصبح واحدة من النساء السودانيات اللواتي تركن بصمة بارزة في التعليم والعمل الوطني والنسائي والاجتماعي والثقافي.
امتدت مسيرتها لعقود، تنقلت خلالها بين مدن ومناطق مختلفة من السودان، معلمةً وناشطةً وقياديةً ومهتمةً بقضايا المرأة والتعليم ومحو الأمية، قبل أن ترحل في 10 أبريل 2015، تاركةً وراءها سيرة حافلة بالعطاء.
النشأة في بيت يؤمن بالتعليم
وُلدت خدوم عوض في حي القبة بمدينة الأبيض، وهي ابنة الشيخ عوض سعيد، شيخ الطريقة الأحمدية البيومية، الذي قدم من الدويم واستقر في الأبيض.
نشأت في أسرة أولت التعليم اهتمامًا كبيرًا، وكان والدها حريصًا على تعليم بناته الخمس، إيمانًا منه بقدرتهن على النجاح وخدمة المجتمع.
بدأت خدوم عوض تعليمها في مدرسة القبة للبنات، قبل أن تلتحق بـكلية معلمات أم درمان، التي تخرجت منها بدرجة امتياز، بعد تفوقها في مختلف المواد.
من الفصل الدراسي إلى تعليم الأمهات
لم تكن مهنة التعليم بالنسبة لخدوم عوض مجرد وظيفة، بل تحولت إلى رسالة رافقتها طوال حياتها.
عملت في عدد من مدارس السودان، وتنقلت بين الدلنج ودنقلا والجنينة والفاشر وأردمتا والأبيض والنهود والأضية، وأسهمت في نشر التعليم في المناطق التي عملت بها.
ولم يقتصر اهتمامها على تعليم الأطفال، إذ أولت النساء والأمهات اهتمامًا خاصًا، فأنشأت فصولًا مسائية لمحو الأمية وتعليم الأمهات، إلى جانب برامج في التدبير المنزلي.
وكانت نهاية العام الدراسي مناسبة لإقامة معارض تعرض فيها المتعلمات أعمالهن وإنجازاتهن، في محاولة لربط التعليم بالحياة اليومية وتمكين المرأة من اكتساب مهارات عملية.
التعليم والنضال الوطني
تزامن نشاط خدوم عوض التعليمي مع انخراطها في العمل الوطني والنسائي، حيث عملت إلى جانب الدكتورة خالدة زاهر، وأسهمت في تأسيس فرع الاتحاد النسائي بالأبيض.
وشاركت في حشد النساء لدعم الحركة الوطنية، كما أسهمت في جمع التبرعات للوفود السودانية التي كانت تسافر إلى المملكة المتحدة للمطالبة باستقلال السودان.
وهكذا تداخلت في تجربتها ثلاثة مسارات؛ التعليم والعمل الوطني والنشاط النسائي، لتصبح المرأة جزءًا أساسيًا من مشروعها العام.
أسرة لم توقف مسيرتها
تزوجت خدوم عوض من الصحفي والمترجم والسياسي أحمد علي بقادي، الذي عمل صحفيًا في صحيفة «الرأي العام»، وكان من رواد الحركة الوطنية، كما كان من خريجي مدرسة حنتوب.
وأنجبت ثلاثة أبناء هم أميرة، وفارس، ورشا، الذين اتجهوا بدورهم إلى مجالات مهنية مختلفة؛ فكانت أميرة وفارس في المجال المصرفي، بينما عملت رشا في المحاماة.
ورغم مسؤولياتها الأسرية، واصلت خدوم عوض نشاطها في التعليم والعمل الاجتماعي والوطني.
من كردفان إلى القيادة القومية
تدرجت خدوم عوض في العمل النسائي، فانتُخبت رئيسةً لاتحاد نساء السودان في شمال كردفان، قبل أن تنتقل إلى العمل على المستوى القومي.
وتولت منصب أمينة المرأة ورئاسة اتحاد نساء السودان بدرجة وزير دولة، لتصبح واحدة من الأصوات النسائية التي حملت قضايا المرأة والتعليم والأسرة إلى ساحات العمل العام.
ولم يتوقف نشاطها عند الحدود المحلية، إذ شاركت في عدد من المؤتمرات والفعاليات الدولية، ومثلت السودان في محافل نسائية بعدد من الدول، من بينها مصر والعراق ورومانيا والدنمارك والصين وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وسوريا.
وفي إحدى مشاركاتها في الدنمارك، ألقت خطابًا نيابةً عن نساء أفريقيا، وحظيت باهتمام وإشادة من الصحافة الدنماركية، وفق ما يروى عن مشاركتها، لما عُرفت به من قوة شخصية ووضوح في الطرح.
العودة إلى كردفان وخدمة المجتمع
بعد انتهاء مهمتها السياسية، عادت خدوم عوض إلى كردفان، وواصلت عملها في مجال التوجيه التربوي في بارا والأبيض.
وفي عام 1977، أسست روضة وحضانة أم فارس، وفتحت أبوابها للأطفال مجانًا، واضعةً نصب عينيها حلم تحويلها إلى مؤسسة تعليمية متكاملة.
كما خاضت انتخابات المجلس التشريعي الولائي وفازت بعضويته، لتواصل من خلال العمل التشريعي حضورها في الشأن العام وخدمة قضايا مجتمعها.
الصحافة والقراءة والثقافة
امتدت اهتمامات خدوم عوض إلى الصحافة والثقافة، إلى جانب التعليم والسياسة والعمل الاجتماعي.
فقد درست الصحافة عن بُعد في معهد مصري، وأدارت صفحة المرأة في جريدة كردفان، كما عملت مراسلةً لعدد من المجلات النسوية.
وكانت الأديبة ملكة الدار محمد عبد الله من الشخصيات التي كان لها تأثير في تكوينها الثقافي، وأسهمت في ترسيخ اهتمامها بالقراءة والمعرفة.
ولم تتوقف رغبتها في التعلم، فالتحقت لاحقًا بـجامعة القرآن الكريم للتعمق في التجويد والدراسات الإسلامية، في تأكيد على أن التعلم بالنسبة إليها لم يكن مرتبطًا بمرحلة عمرية أو مهنية محددة.
تكريم مستحق
حظيت خدوم عوض بعدد من مظاهر التكريم تقديرًا لمسيرتها في التعليم والعمل النسائي والاجتماعي.
وكان من أبرز ما نالته وسام الجمهورية من الطبقة الأولى مرتين، تقديرًا لإسهاماتها في خدمة المرأة والتعليم ومحو الأمية.
كما كرمتها مؤسسات ومنظمات مجتمعية، خاصة في المجالات المرتبطة بالطفولة والأمومة والعمل الاجتماعي.
رحيل الرائدة
في 10 أبريل 2015، رحلت خادم الله عوض سعيد عن عمر ناهز 79 عامًا، بعد حياة امتدت بين التعليم والعمل الوطني والنسائي والثقافي.
وكانت قبل رحيلها قد شرعت في إعداد كتاب توثيقي عن رائدات كردفان، في محاولة لحفظ سير النساء اللاتي أسهمن في تاريخ المنطقة، إلا أن القدر لم يمهلها لإكمال المشروع ورؤيته منشورًا.
إرث لا ينتهي
لم تكن قصة «خدوم عوض» قصة معلمة فحسب، بل سيرة امرأة رأت في التعليم وسيلة لتغيير المجتمع، وفي تمكين المرأة طريقًا للمشاركة في بناء الوطن.
تنقلت بين المدارس والمدن، وعملت على تعليم الأطفال والأمهات، وانخرطت في العمل الوطني، وتولت مواقع قيادية، ومثلت السودان في محافل دولية، وخاضت العمل التشريعي والصحفي والثقافي.
وبعد رحيلها، بقيت سيرتها شاهدًا على جيل من النساء السودانيات اللواتي اخترن أن يصنعن حضورهن في مجتمعهن عبر العلم والعمل العام وخدمة الناس، لتظل «خدوم عوض» واحدة من الأسماء التي ارتبطت بتاريخ التعليم والعمل النسائي في السودان.






