حظر السلاح على السودان.. حين تصبح حماية المدنيين عنواناً لإضعاف الدولة

نيويورك :بلو نايل بوست Blue Nile Post

حظر السلاح.. حماية للمدنيين أم نزع لقدرة الدولة على الدفاع؟

 

لم يكن تصويت مجلس الأمن على تمديد حظر السلاح المفروض على دارفور بموجب القرار 1591 مفاجئاً بقدر ما كان لافتاً في توقيته وسياقه. فقد أقر المجلس تمديد الحظر، إلى جانب تمديد ولاية فريق الخبراء لمدة شهر، وفق المقترح البريطاني-الفرنسي، بعد تعثر المساعي الأميركية لتوسيع نطاق حظر السلاح ليشمل كامل السودان.

والأهم أن واشنطن لم تتراجع عن الفكرة، بل أبقت الباب مفتوحاً لإعادة طرحها خلال الفترة المقبلة، في إصرار يعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل يمكن حماية المدنيين في السودان عبر تقييد قدرة الدولة على الحصول على السلاح، بينما تظل قنوات الإمداد غير الرسمية للجماعات المسلحة مفتوحة؟

الأبيض.. السؤال الذي لا يمكن تجاهله

لنضع لغة البيانات الدبلوماسية جانباً، ولنطرح السؤال بصورة مباشرة:

ماذا كان سيحدث للمدنيين في الأبيض لو لم يمتلك الجيش السوداني السلاح والقدرة الكافية لصد هجمات الدعم السريع؟

هذا السؤال ليس افتراضاً نظرياً. فالسودانيون رأوا نماذج قاسية لما يحدث عندما تنهار القدرة على حماية المدن ويختل ميزان القوة.

والفاشر تقدم واحدة من أكثر التجارب وضوحاً في هذا السياق؛ إذ ارتبط تراجع القدرة على الدفاع عن المدينة بتفاقم مخاطر القتل والنزوح والنهب والانتهاكات بحق المدنيين.

ومن هنا، فإن اختزال أزمة السودان في شعار «حظر السلاح لحماية المدنيين» قد يبدو جذاباً في الخطاب السياسي، لكنه يصبح أكثر تعقيداً عندما نضعه أمام واقع الحرب على الأرض.

السلاح الذي يصل.. والسلاح الذي يُمنع

المشكلة ليست في وجود السلاح وحده، وإنما في كيفية وصوله إلى أطراف الحرب ومن يملك القدرة على الوصول إليه.

فالدولة، عندما تحصل على السلاح عبر القنوات الرسمية، تكون هذه العملية مرتبطة بعلاقات حكومية واتفاقات يمكن تتبعها ومراقبتها دولياً.

أما الجماعات المسلحة، فتستفيد من طرق مختلفة؛ من شبكات تهريب وإمداد عابرة للحدود إلى مصادر تمويل ودعم خارجي، وفق اتهامات وتقارير ظلت حاضرة طوال سنوات الحرب.

وهنا تظهر المفارقة الخطيرة:

إذا كان الحظر لا يستطيع وقف السلاح الذي يصل عبر شبكات التهريب، لكنه يقيّد في المقابل قدرة الدولة على التسليح الرسمي، فهل نحن أمام آلية لحماية المدنيين أم أمام إعادة تشكيل لميزان القوة؟

السؤال يستحق إجابة صريحة.

ماذا فعل الحظر الأول؟

إذا كان حظر السلاح المفروض على دارفور قائماً منذ سنوات، فلماذا استمرت الحرب، ولماذا استمر وصول الأسلحة والمقاتلين إلى الإقليم؟

ومن الذي يضمن أن توسيع الحظر ليشمل السودان كله سيؤدي إلى النتيجة التي يعلنها أنصاره؟

القرارات الدولية لا توقف وحدها شبكات التهريب.

ولا تمنع الأموال من عبور الحدود.

ولا توقف الطائرات والشاحنات والقنوات غير الرسمية إذا لم تكن هناك إرادة وقدرة حقيقية على تنفيذ العقوبات ومراقبة مصادر الإمداد.

ولهذا، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: هل نحظر السلاح؟

بل: هل نستطيع أن نضمن أن الحظر سيُطبق على الجميع بالدرجة نفسها؟

تجربة الفاشر يجب ألا تتكرر

حماية المدنيين تبدأ بمنع الاعتداء عليهم، وليس بمنع الطرف القادر على حمايتهم من امتلاك وسائل الدفاع.

وإذا كان المجتمع الدولي جاداً في حماية السودانيين، فعليه أن يذهب إلى أصل المشكلة: مصادر السلاح والتمويل والمرتزقة، ومسارات الإمداد التي تغذي الحرب.

أما اتخاذ قرار واسع بحظر السلاح، مع بقاء الحدود ومسارات التهريب ومصادر الدعم الخارجي دون معالجة حقيقية، فقد ينتج عنه واقع أخطر: طرف مقيد بالقرارات الدولية، وطرف آخر يعتمد على شبكات لا تعترف أصلاً بهذه القرارات.

وهنا لا تكون النتيجة بالضرورة وقف الحرب، بل زيادة اختلال ميزان القوة داخلها.

السودان لا يحتاج إلى قرارات ورقية

السودانيون لا يحتاجون إلى مزيد من القرارات التي تُكتب في نيويورك ثم تصطدم بجدران الواقع على الأرض.

هم بحاجة إلى قرارات توقف تدفق السلاح فعلياً، وتمنع تمويل الحرب، وتغلق طرق الإمداد أمام جميع الأطراف، وتضع الدول والجهات التي تقدم الدعم العسكري تحت الرقابة والمساءلة.

أما أن يُطلب من الدولة أن تتخلى عن قدرتها على التسليح والدفاع، بينما تستمر الجماعات المسلحة في الحصول على الدعم عبر قنوات غير رسمية، فهذه ليست معادلة متوازنة.

حماية المدنيين لا تكون بنزع قدرة الدولة على الدفاع عنهم، وإنما بمنع من يهددهم من امتلاك القدرة على قتلهم وتهجيرهم.

ولهذا، فإن أي مقترح لحظر شامل للسلاح في السودان يجب ألا يُقاس بجمال عباراته الدبلوماسية، وإنما بسؤال واحد:

هل سيقلل فعلاً قدرة من يهاجم المدنيين على قتلهم، أم سيقلل فقط قدرة من يدافع عنهم على صد الهجوم؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كان القرار خطوة نحو السلام، أم خطوة أخرى نحو تعقيد الحرب.

والسودان لا يحتمل مزيداً من التجارب.

mohamed

بلو نايل بوست هي منصة إخبارية محلية وعالمية تهتم بنقل وتغطية الأحداث بكل مصداقية وحيادية. تسعى المنصة لتقديم تقارير دقيقة وشاملة عن الأحداث الجارية في مختلف المجالات، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي. يعمل فريق بلو نايل بوست على توفير معلومات موثوقة ومحايدة للقراء، بهدف توفير منصة إخبارية تساهم في زيادة الوعي والتثقيف في المجتمع. #بلو_نايل_بوست Blue Nile Post

مواضيع فى نفس السياق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى