لا حل عسكري في السودان ولا خلاص من الخارج

الخرطوم :بلو نايل بوست Blue Nile Post

*لا حل عسكري في السودان ولا خلاص من الخارج*

*الحل يبدأ باتفاق القوى المدنية ووضع مصلحة الوطن أولا*

 

لا خلاف على الحقيقة بان الحرب تضع أوزارها علي مائدة التفاوض.

 

لكن الاكتفاء بترديدها كشعار أخلاقيٍ جميل، دون أن تُستكمل بحقيقة أخرى لا تقل وضوحاً، *لا يوجد أيضاً حل سياسي يُصنع من الخارج، أو يُفرض من فوق رؤوس السودانيين* أو يدار بالوكالة عنهم.

 

فكل التجارب، من جولات الفنادق إلى المؤتمرات الدولية، أثبتت أن الخارج مهما حسنت نواياه أو ادعى ذلك لا ينتج حلاً وطنيا مستداما. الخارج يدير أزمات، لا يبني أوطانا. يوقف إطلاق نار مؤقت، ثم يترك الجمر تحت الرماد، ليشتعل من جديد.

تتكرر المبادرات، وتتغير الأسماء و المنابر، وتبقي النتيجة واحدة حرب مستمرة، دولة أضعف، وشعب يقتل و يشرد يوما بعد يوم.

 

الحل الحقيقي يبدأ من اتفاق القوى السياسية المدنية السودانية، مجتمعة لا متفرقة، صادقة لا متشاكية، على مشروع وطني يضع مصلحة السودان والسودانيين في المقدمة، لا في الهوامش و المصالح الشخصية الضيقة.

 

من يقول *لا حل عسكري*، فليعلم جيداً أن هذا القول، ما لم يُترجم إلى حلول عملية واقعية، سيبقى نصف حقيقة، بل غطاءا للعجز.

لا يكفي أن نرفض الحرب، إن كنا نعجز عن بناء جبهة مدنية موحدة قادرة على فرض بديل وطني، ومخاطبة الشارع، ومنازعة القوى المسلحة على تعريف المستقبل.

 

لنواجه أنفسنا بصدقٍ

إذا كان الجيش اليوم مختطفاً من الحركة الإسلامية، فذلك ليس قدرا أعمى، بل نتيجة فراغ صنعتموه بأيديكم.

تركتم الساحة خاوية، وانسحبتم من معركة الوجود داخل مؤسسات الدولة، بدلاً من منازعة من اختطفوها باسم الوطن. تركتم الجيش،وهو جيش البلاد الوطني، عرضةً للاستحواذ كما تدعون، لتنظيمات عقائدية، ثم اكتفيتم بلعنه من الخارج.

 

والأسوأ من ذلك، أنكم أثرتم عداء الجيش، وعداء بعضكم البعض، بدل أن تديروا الخلاف بعقل الدولة.

تحول الصراع بينكم إلى تصفية حسابات، وشيطنة متبادلة، وتخوين مجاني، بينما كانت الساحة تُفتح على مصراعيها لأعداء الوطن، يعبثون به، ويمزقونه، ويشردون شعبه.

 

وإذا كنتم مجمعين،قولا، علي خيار الانتقال المدني الديمقراطي، ومجمعين على رفض وجود المؤسسة العسكرية على رأس السلطة السياسية، فالسؤال الجوهري هو كيف يمكن تحقيق ذلك في ظل هذا التشرذم، وتضارب المواقف، وغياب الرؤية الوطنية الموحدة؟

الانتقال المدني لا يُنتزع بالشعارات ولا يتحقق بتعدد المنصات والخطابات المتناقضة، بل يُبنى بإرادة سياسية واحدة، وبرنامج واضح، وكتلة مدنية متماسكة قادرة على مخاطبة الداخل قبل الخارج، وفرض نفسها كبديل حقيقي للدولة لا كخصم متنازع مع ذاته.

تاريخيا السلطة لا تمنح لقوى مختلفة فيما بينها، ولا يمكن لشعب الوثوق في مشروع لا يرى له حاملا موحدا، يعبر عنه و يغازل وجدانه.

 

اليوم، أبناء الوطن الواحد يقتلون بعضهم بعضاً،

والمدن تُفرغ،

واللاجئون يتكدسون على الحدود،

والسودان ينزف،

وأنتم تتناحرون فيما بينكم، وتلقون الاتهامات يميناً ويساراً، كأن التاريخ سيعفي أحداً من المسؤولية.

 

أخطر ما يواجه السودان الآن، ليس السلاح، بل عجز النخب عن الارتفاع إلى مستوى الكارثة.

ليس المطلوب أن تتفقوا على كل شيء، فهذا وهم.

المطلوب أن تتفقوا على الحد الأدنى الوطني:

• وقف الحرب بلا مواربة ولا ازدواجية.

• استعادة الدولة من أيدي المليشيات والتنظيمات المختطفة.

• بناء جبهة مدنية واحدة، مستقلة الإرادة، سودانية القرار.

• إعادة تعريف العلاقة مع الجيش بوصفه مؤسسة وطنية يجب إصلاحها لا شيطنتها، ومنازعة من تدعون اختطفها لا تركها لهم.

 

هذه رسالة لا للتجريح، بل للتذكير.

السودان لا يحتمل مزيداً من الأخطاء، ولا يملك ترف الوقت.

فإما أن تكونوا جزءاً من الحل، باتفاقكم وشجاعتكم ومراجعتكم الصادقة،

أو سيسجلكم التاريخ، بلا رحمة، شركاء بالصمت والتناحر في ضياع وطن.

 

*نزار خيري*

*١٧ ديسمبر ٢٠٢٥*

mohamed

بلو نايل بوست هي منصة إخبارية محلية وعالمية تهتم بنقل وتغطية الأحداث بكل مصداقية وحيادية. تسعى المنصة لتقديم تقارير دقيقة وشاملة عن الأحداث الجارية في مختلف المجالات، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي. يعمل فريق بلو نايل بوست على توفير معلومات موثوقة ومحايدة للقراء، بهدف توفير منصة إخبارية تساهم في زيادة الوعي والتثقيف في المجتمع. #بلو_نايل_بوست Blue Nile Post

مواضيع فى نفس السياق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى