أحرف حرة وهل يبدأ التعافي بانتقاء «أهل الإعلام»
الخرطوم :بلو نايل بوست Blue Nile Post

أحرف حرة
ابتسام الشيخ
وهل يبدأ التعافي بانتقاء «أهل الإعلام» يا سيادة رئيس جهاز المخابرات العامة؟
في تقديري، فإن معطيات التعافي بعد الحرب تبدو واضحة، ويمكن إجمالها في الشمول، والتجديد، وتوضيح الأدوار. وعلى هذا الميزان، يجب أن نقرأ ما سُمّي بـ«ملتقى أهل الإعلام».
قال المدير العام لجهاز المخابرات العامة: «لم يكن بالإمكان دعوة جميع الصحفيين».
وهنا يأتي السؤال: هل يبدأ التعافي بالشمول أم بالانتقاء، يا سيادة المدير؟
الحرب بدأت، في أحد وجوهها، عندما شعر البعض بالإقصاء والتهميش، فكيف نبدأ التعافي بالأداة نفسها؟
في العام 2026، يا سيادة رئيس جهاز المخابرات، لم يعد «عدم الإمكان» مسألة تقنية؛ فهناك البث المباشر، والمنصات الرقمية، والجلسات المتعددة، وغيرها من الوسائل التي تتيح توسيع المشاركة.
الانتقاء في مرحلة التعافي لا يبني الثقة، وإنما قد يعيد إنتاج الشكوك.
أين دور اتحاد الصحفيين؟
وهنا تقف مسؤولية اتحاد الصحفيين السودانيين، الذي يُفترض أن يكون البيت الجامع للمهنة والمرجعية المهنية الأولى.
فأين كانت معايير الاختيار؟
لم نرَ تمثيلاً جغرافياً واضحاً للولايات المتأثرة بالحرب، ولا تمثيلاً نوعياً للإعلاميات، ولا حضوراً كافياً للأجيال الجديدة، ولا تمثيلاً لصحافة الميدان التي كانت في قلب أحداث الحرب.
عندما يغيب الميزان المهني، يصبح الاختيار عرضة لأن تحكمه العلاقات أكثر من الكفاءة.
والأخطر من ذلك أن قائمة الدعوات بدت، في نظر كثيرين، نسخة كربونية من مشهد ما قبل الحرب: نفس المؤسسات، ونفس الأسماء، ونفس العقليات.
هذه ليست قائمة «أهل الإعلام» بقدر ما تبدو قائمة «من كانوا أهل الإعلام».
الاتحاد ليس جهة تشريفية مهمتها إرسال الدعوات، بل هو الجهة المعنية بحماية مبدأ تكافؤ الفرص داخل المهنة. وعندما يتم استبعاد أعداد كبيرة من الصحفيين دون إعلان معايير واضحة، فإن ذلك يثير أسئلة مشروعة حول الدور المهني للاتحاد.
التعافي يبدأ بالمراجعة
وثاني معطيات التعافي، في تقديري، هي المراجعة.
السودان الذي نريد بناءه بعد الحرب ليس بالضرورة السودان الذي كان قبلها. ولذلك يجب أن نسأل: أين الصحفيون الذين كانوا صوت الناس أثناء الحرب؟ أين الذين نقلوا الأحداث من مواقعها، عندما كانت رحى الحرب تدور في قلب السودان؟ وأين صحفيو مراكز الإيواء والنزوح، الذين نقلوا معاناة الناس وتفاصيل حياتهم اليومية؟
هؤلاء ليسوا مجرد أسماء غابت عن قائمة دعوات؛ إنهم جزء من رأس مال التعافي الإعلامي، لأنهم يحملون تجربة مختلفة وسردية جديدة تشكلت في قلب الأزمة.
وإذا كان المطلوب إعلاماً قادراً على المساهمة في بناء سودان ما بعد الحرب، فلا بد أن تكون هذه التجارب حاضرة في صياغة مستقبل المهنة.
لكل قطاع دوره
وثالث معطيات التعافي هو توضيح الأدوار.
الإعلام مهنة مدنية، لها مؤسساتها وأعرافها ومعاييرها المهنية. وخلط الأدوار بين الأمني والمهني لا يقود، في تقديري، إلا إلى تعافٍ منقوص.
لا أحد ينكر أهمية الأجهزة الأمنية ودورها في حماية الدولة والمجتمع، لكن بناء إعلام مهني ومستقل وفاعل يحتاج أيضاً إلى أن تقود المؤسسات الإعلامية والمهنية ملفها وفق معايير واضحة وشفافة، وبعيداً عن الانتقائية.
بأي عقلية سنعبر؟
سؤالي ليس شخصياً، ولا علاقة له بدعوة وصلت أو لم تصل.
السؤال وطني.
بأي عقلية سنعبر المرحلة المقبلة؟
هل نعبر بعقلية البعض التي أوصلتنا إلى الحرب، أم بعقلية الكل التي يمكن أن تساعدنا على الخروج منها؟
السودان اليوم يحتاج إلى كل أهله، وكل أقلامه، وكل منصاته، وكل رواياته.
فالتعافي الحقيقي لا يبدأ بانتقاء «أهل الإعلام»؛
التعافي يبدأ عندما يشعر كل سوداني أن له مكاناً في وطنه، وأن صوته مسموع، وأن الجميع شركاء في صناعة المستقبل.






