​عن التمويل والإقصاء من يملك حق الحديث باسم «أهل الإعلام»؟

الخرطوم :بلو نايل بوست Blue Nile Post

ملتقى أهل الإعلام.. من يملك حق تعريف «أهل الإعلام»؟

كتبت: ابتسام الشيخ

لم يكن الاعتراض على انعقاد «ملتقى أهل الإعلام» اعتراضاً على فكرة جمع الإعلاميين، فهذه فكرة مطلوبة، بل ربما أصبحت ضرورة في ظل ما يمر به السودان من حرب وانقسام وأزمات متراكمة.

لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا عُقد الملتقى؟
بل: كيف عُقد؟ ومن اختار المشاركين؟ وعلى أي أساس؟

تابعت أخبار الملتقى وردود الفعل التي صاحبت انعقاده، وما لفت انتباهي أن الدعوات جاءت وفق معايير لم تُعلن للرأي العام، بينما تكفلت الدولة بتكاليف المشاركة، في وقت غاب فيه عدد كبير من الإعلاميين الذين ظلوا في قلب المشهد، يمارسون مهنتهم وسط الحرب، وينقلون الأحداث من مواقعها، بل وواصل بعضهم العمل في ظروف بالغة القسوة عندما كان آخرون قد اضطروا إلى مغادرة البلاد.

وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحة:

كيف يمكن لملتقى انتقائي أن يقدم نفسه باعتباره ملتقى «أهل الإعلام»؟

إذا كان الهدف جمع أهل المهنة، فالمعيار الطبيعي يجب أن يكون المهنية، لا القرب، ولا الموقف، ولا العلاقات، ولا الاصطفاف.

والأكثر إثارة للتساؤل هو الجدل حول علاقة الملتقى بالحوار الوطني؛ ففي الوقت الذي نفت فيه لجنة الحوار الوطني أي علاقة لها بالملتقى، ظهرت تصريحات أو انطباعات تربط الفعالية بفعاليات الحوار الوطني.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:

كيف يمكن أن نربط الإعلام بالحوار الوطني، بينما يبدأ الحوار نفسه بإقصاء جزء من أهل المهنة؟

إن الحوار الحقيقي لا يبدأ من قائمة معدّة سلفاً، ولا من دعوات غامضة المعايير، ولا من محاولة تقديم مجموعة محددة باعتبارها تمثل الجميع.

والأمر لا يتعلق بالأشخاص الذين تمت دعوتهم، فلكل واحد منهم حقه الكامل في المشاركة والتعبير، وإنما يتعلق بمنهج الاختيار نفسه.

فإذا كنا نطالب باستقلالية الإعلام، فعلينا أولاً أن نمارس هذه الاستقلالية في طريقة إدارة شؤون الإعلاميين.

وإذا كنا نتحدث عن إعلام مهني، فعلينا أن نضع معايير مهنية واضحة وشفافة لاختيار المشاركين.

وإذا كنا نريد إعلاماً يوحد السودانيين، فعلينا ألا نجعل من المنابر الإعلامية الجديدة مساحة أخرى للفرز والإقصاء.

نحن أمام مرحلة مفصلية في تاريخ السودان. وفي مثل هذه اللحظات، لا تصبح التفاصيل الصغيرة صغيرة بالفعل؛ لأن كل خطوة وكل قرار وكل خطاب يمكن أن يترك أثراً على مستقبل البلاد.

السودان اليوم لا يحتمل مزيداً من الشروخ.

الوطن يحتاج من يلمّ الصف، لا من يعيد إنتاج الانقسام.

ويحتاج الإعلام إلى مظلة مهنية واسعة، يتساوى تحتها الجميع، ويدخلها الصحفي والإعلامي بصفته المهنية، لا بموقفه السياسي أو علاقاته أو قربه من هذه الجهة أو تلك.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن تجيب عليه الجهة التي نظمت الملتقى ليس سؤالاً عدائياً، وإنما سؤال مهني مشروع:

دعت من؟ ولماذا؟

وما المعايير التي اعتمدتها؟

ومن وضع هذه المعايير؟

ولماذا غاب إعلاميون ظلوا في قلب الأحداث طوال سنوات الحرب؟

ومنح منظم الملتقى نفسه حق الحديث باسم «أهل الإعلام»؟

ربما تحمل الإجابة ما يكفي لإزالة علامات الاستفهام.

وربما تكشف أن وراء الاختيار أسباباً يمكن تفهمها.

لكن في كل الأحوال، فإن الشفافية وحدها قادرة على إنهاء الجدل.

فالإعلام لا يمكن أن يدعو الآخرين إلى الشفافية وهو يمارس الغموض على نفسه.

وفي بلد أنهكته الحرب، وشردت أبناءه، وفرقت أهله، فإن أولى مسؤولياتنا جميعاً أن نبحث عن المساحات التي تجمعنا، لا تلك التي تذكرنا بما يفرقنا.

الإعلام السوداني أكبر من أن يُختزل في قائمة دعوات، وأوسع من أن تمثله مجموعة منتقاة، وأهم من أن يتحول إلى ساحة جديدة للإقصاء.

ولذلك، فإن السؤال سيظل قائماً:

دعت من؟ ولماذا؟

mohamed

بلو نايل بوست هي منصة إخبارية محلية وعالمية تهتم بنقل وتغطية الأحداث بكل مصداقية وحيادية. تسعى المنصة لتقديم تقارير دقيقة وشاملة عن الأحداث الجارية في مختلف المجالات، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي. يعمل فريق بلو نايل بوست على توفير معلومات موثوقة ومحايدة للقراء، بهدف توفير منصة إخبارية تساهم في زيادة الوعي والتثقيف في المجتمع. #بلو_نايل_بوست Blue Nile Post

مواضيع فى نفس السياق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى