الغلاء يطحن المواطن.. والعودة إلى الخرطوم ليست مجرد فتح الطرق
الخرطوم :بلو نايل بوست Blue Nile Post

الغلاء يطحن المواطن.. والعودة إلى الخرطوم ليست مجرد فتح الطرق
بعد أن خفت أصوات البندقية داخل العاصمة الخرطوم، وبدأ الملايين في العودة إلى ديارهم، وفق إحصاءات رسمية أكدت منظمة الهجرة الدولية جانبًا منها، وجد المواطن السوداني نفسه أمام معركة أخرى لا تقل قسوة عن الحرب: معركة الحصول على أبسط مقومات الحياة.
ففي الخرطوم خصوصًا، والسودان عمومًا، يدفع المواطن البسيط من دخله وراحته وأعصابه ثمنًا باهظًا ليعيش حياة بالكاد يمكن وصفها بالعادية.
الكهرباء.. أزمة قديمة فاقمتها الحرب
الكهرباء لا تزال غير مستقرة، رغم امتلاك السودان عددًا من السدود والمنشآت المائية التي كان يُفترض أن تسهم في توفير قدر أكبر من الاستقرار في الإمداد الكهربائي.
صحيح أن أزمة الكهرباء ليست وليدة الحرب، فقد اعتاد السودانيون على قطوعات التيار حتى قبل اندلاعها، لكن الحرب ضاعفت الأزمة وأخرجتها إلى مستويات أكثر قسوة، بعدما تعرضت البنية التحتية لأضرار كبيرة وظهرت تحديات جديدة في التوليد والنقل والتوزيع.
القادرون ماليًا بدأوا في البحث عن بدائل، وفي مقدمتها منظومات الطاقة الشمسية، بينما يقف المواطن محدود الدخل عاجزًا أمام تكلفة هذه الحلول، منتظرًا عودة التيار لساعات قليلة فقط، تكفي لشحن هاتفه والباوربانك، قبل أن تبدأ دورة الانتظار من جديد في اليوم التالي.
المياه والثلج.. من الضروريات إلى الرفاهية
ومع اضطراب الكهرباء، تزداد أزمة المياه تعقيدًا في عدد من المناطق، ما دفع كثيرًا من الأسر إلى العودة لشراء المياه كما كان يحدث قبل أكثر من عقدين.
أما ألواح الثلج، فقد تحولت هي الأخرى إلى سلعة شبه أساسية، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء وشح المياه.
لكن ارتفاع أسعارها جعل الحصول عليها أمرًا صعبًا بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين، حتى أصبح الثلج في السودان رفاهية لا يستطيع تحملها إلا الميسورون.
الجنيه ينهار والأسعار تلتهم الرواتب
ثم تأتي الأزمة الأكبر: الغلاء الفاحش.
فمع استمرار تراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، وتجاوز سعر الدولار حاجز 7 آلاف جنيه خلال الأسبوع الماضي، انعكس هذا الانهيار مباشرة على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، وعلى كل ما يحتاجه المواطن في حياته اليومية.
وفي الجهة الأخرى، بقيت رواتب الموظفين عند مستويات لا تتناسب إطلاقًا مع حجم الانهيار الاقتصادي.
وقالت لجنة المعلمين السودانيين إن راتب المعلم من الدرجة الأولى لا يتجاوز 12.5 دولارًا شهريًا.
تخيّل أن تعمل شهرًا كاملًا، ثم لا يتجاوز راتبك قيمة بعض المشتريات التي تحتاجها أسرة صغيرة خلال أيام قليلة!
هذه ليست أزمة أرقام فقط، بل أزمة تمس قدرة المواطن على إطعام أسرته، ودفع تكاليف السكن والمواصلات والعلاج والتعليم، وتوفير أبسط احتياجات الحياة.
السودانيون يتكافلون.. لكن حتى التحويلات تواجه العقبات
ورغم كل ذلك، يواصل السودانيون الكفاح من أجل البقاء.
يساند بعضهم بعضًا، وتلعب الأسر دورًا كبيرًا في مساعدة بعضها، فيما يعتمد كثير من السودانيين على تحويلات ذويهم المقيمين خارج البلاد.
لكن حتى هذه المساعدات أصبحت تصطدم بعقبة جديدة: الخدمات المصرفية.
قد يحوّل أحد أفراد الأسرة أموالًا إلى حساب ذويه داخل السودان، لكن عندما يذهب المواطن لشراء احتياجاته، يجد التطبيق المصرفي متعطلًا أو يواجه صعوبة في الوصول إلى أمواله في الوقت الذي يحتاجها فيه.
وبالنسبة لكثير من السودانيين، أصبح الهاتف وتطبيق البنك بمثابة المحفظة والراتب والبنك في آن واحد.
وعندما يتعطل التطبيق، يتعطل معه جزء من حياة المواطن اليومية، حتى وإن كان المال موجودًا بالفعل في حسابه.
العودة إلى الخرطوم تحتاج أكثر من فتح الطرق
هذه ليست رفاهية.
المواطن الذي عاد إلى الخرطوم لا يبحث عن حياة مثالية، ولا يطالب بخدمات من الدرجة الأولى.
هو يريد كهرباء مستقرة، ومياه متوفرة، وأسعارًا يمكن تحملها، ونظامًا مصرفيًا يستطيع من خلاله الوصول إلى أمواله، وراتبًا يكفيه للعيش بكرامة.
ومن هنا، فإن الحديث عن عودة المواطنين إلى الخرطوم وبقية المناطق التي تقول الحكومة إنها أصبحت آمنة، يجب ألا يقتصر على فتح الطرق والمطارات وتأمين المدن.
فالعودة الحقيقية تعني أن يجد المواطن مقومات الحياة عندما يصل إلى منزله.
فما فائدة أن يعود الملايين إلى الخرطوم، بينما الكهرباء مقطوعة، والمياه شحيحة، والأسعار تلتهم الرواتب، وحتى الأموال الموجودة في الحسابات المصرفية قد لا يستطيع المواطن الوصول إليها؟
المواطن السوداني أنهكته الحرب، ودفع ثمنها من أمنه وماله ومستقبله.
فلا تجعلوه يدفع ثمن العودة وحده.
ذو الكفل






