لماذا نستهلك مياه السدود لإنتاج الكهرباء والشمس فوق رؤوسنا؟

الخرطوم :بلو نايل بوست Blue Nile Post

لماذا نستهلك مياه السدود لإنتاج الكهرباء والشمس فوق رؤوسنا؟

عثمان ميرغني_بلو نايل بوست

 

لماذا نستهلك الماء لإنتاج الكهرباء والشمس فوق رؤوسنا؟

قبل يومين، شاهدت الدكتور سيف الدين حمد يتحدث إلى زميلنا الطاهر حسن التوم عن الجفاف في نهر النيل. وفي سياق حديثه أشار إلى أن السودان يحتاج إلى ما لا يقل عن 4 مليارات متر مكعب من المياه كاحتياطي في بحيرة خزان الروصيرص.

توقفت عند هذه النقطة طويلاً.

ليس فقط لأن المياه أصبحت قضية استراتيجية تتجاوز حدود الري والشرب، ولكن لأن السؤال الأهم هو: هل يمكن أن ننتج الكهرباء من الشمس، ونحتفظ بالمياه لاستخدامها في الزراعة؟

الإجابة في تقديري: نعم.

والأجمل أن الحل لا يحتاج إلى اختراع تكنولوجيا خارقة، بل إلى إعادة ترتيب ما هو موجود أصلاً، وربط مصدرين للطاقة يعرفهما السودان جيداً: الماء والشمس.

عندما تتحول البحيرة إلى «بطارية»

التوليد الكهرومائي من أرخص أنواع التوليد من حيث التكلفة التشغيلية، لكنه يظل رهيناً بكمية المياه ومعدلات الفيضان والجفاف وتذبذب المناسيب.

أما الشمس، فهي مورد متاح بكميات هائلة، خصوصاً في السودان، لكنها لا تعمل ليلاً.

وهنا تحديداً تبدأ الفكرة.

بدلاً من أن نستهلك المياه نهاراً لتوليد الكهرباء، لماذا لا نترك الشمس تقوم بالمهمة خلال ساعات النهار، ونحتفظ بالمياه؟ ثم نستخدم التوليد المائي ليلاً عندما تغيب الشمس؟

بذلك تصبح بحيرة السد، بصورة عملية، بطارية مائية ضخمة.

لا تحتاج إلى الليثيوم، ولا إلى غرف تخزين عملاقة، ولا إلى بطاريات عمرها الافتراضي محدود.

الروصيرص.. التجربة الأقرب

لنأخذ خزان الروصيرص نموذجاً.

تبلغ قدرته الإنتاجية نحو 280 ميجاوات عبر سبعة توربينات، فيما تصل سعة البحيرة بعد التعلية إلى نحو 7.4 مليارات متر مكعب.

الفكرة هي إنشاء محطة للطاقة الشمسية بجوار الخزان، بقدرة يمكن أن تتراوح بين 500 و1000 ميجاوات.

الميزة المهمة هنا أن المحطة لن تبدأ من الصفر.

فشبكات وخطوط نقل الكهرباء موجودة أصلاً، وتمتد شمالاً نحو محطات مارنجان في الجزيرة و«كيلو 10» بالخرطوم.

وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من البنية التحتية اللازمة موجود بالفعل.

الشمس نهاراً.. والماء ليلاً

المحطة الشمسية يمكن أن تعمل خلال ساعات النهار، لنحو 8 إلى 10 ساعات يومياً، ثم تتوقف مع غروب الشمس.

ولا حاجة، في هذه الحالة، إلى إنفاق مبالغ ضخمة على بطاريات تخزين الكهرباء.

خلال ساعات النهار، عندما تكون الشمس في ذروة إنتاجها، يمكن خفض التوليد المائي إلى الحد الأدنى، وتقليل تمرير المياه عبر التوربينات.

المياه التي كنا سنستخدمها لإنتاج الكهرباء نهاراً تبقى في البحيرة.

ثم، عندما تغيب الشمس، نرفع التوليد الكهرومائي لتغطية الطلب الليلي.

هنا تصبح المياه نفسها هي وسيلة التخزين.

والنتيجة ليست مجرد توفير في تكلفة البطاريات، وإنما أيضاً المحافظة على مخزون المياه وتوجيه قدر أكبر منه إلى الري والزراعة.

مكسب آخر.. التوربينات أيضاً

هناك فائدة أخرى ربما لا تحظى بالاهتمام الكافي.

تقليل تشغيل التوربينات خلال ساعات النهار، عندما تتولى المحطة الشمسية الجزء الأكبر من التوليد، يعني تخفيف ساعات التشغيل والضغط الميكانيكي عليها.

وهذا يمكن أن ينعكس على العمر الافتراضي للمعدات، وعلى تكاليف الصيانة وقطع الغيار والإحلال.

أي أننا لا نتحدث فقط عن طاقة أرخص، بل عن منظومة تشغيل أكثر كفاءة.

لماذا لا نحتاج إلى بطاريات ليثيوم؟

في العالم اليوم تتوسع مشاريع الطاقة الشمسية المصحوبة ببطاريات التخزين، لكن هذه البطاريات ليست رخيصة، كما أن لها عمراً افتراضياً محدوداً وتحتاج إلى استثمارات وصيانة واستبدال.

في السودان لدينا بديل طبيعي جاهز: الخزانات والسدود.

فبدلاً من إنفاق مليارات على بطاريات اصطناعية لتخزين الكهرباء، يمكن أن نستخدم الخزان نفسه كوسيلة تخزين للطاقة، ولكن بطريقة مختلفة.

الشمس تنتج الكهرباء نهاراً.

والمياه تنتج الكهرباء ليلاً.

الشمس تشحن.. والماء يفرغ الشحنة.

هذه ببساطة هي فكرة «البطارية المائية».

مروي.. النسخة الأكبر

ولا تتوقف الفكرة عند الروصيرص.

يمكن تطبيق النموذج نفسه في سد مروي، وربما بقدرات إنتاجية أكبر.

فالولاية الشمالية تتمتع بمعدلات سطوع شمسي مرتفعة، إلى جانب وجود سد قائم وبنية تحتية وخطوط نقل كهرباء يمكن أن تشكل قاعدة مهمة لإنشاء محطة شمسية كبيرة.

وهنا تصبح المعادلة أكثر جاذبية:

شمس أكثر + سد قائم + خطوط نقل موجودة = فرصة استثمارية كبيرة.

السودان لا ينقصه المورد.. بل ينقصه التفكير المختلف

المشكلة ليست أن السودان يفتقر إلى الشمس أو المياه أو السدود.

لدينا الشمس، ولدينا الخزانات، ولدينا شبكات الكهرباء، ولدينا مساحات واسعة يمكن أن تستوعب مشروعات الطاقة الشمسية.

ما ينقصنا هو أن ننظر إلى هذه الموارد باعتبارها منظومة واحدة لا مشاريع منفصلة.

لماذا نبني محطة شمسية ثم نبحث عن بطاريات؟

ولماذا نستهلك المياه لإنتاج الكهرباء نهاراً بينما الشمس متاحة مجاناً؟

ولماذا لا نجعل السد نفسه جزءاً من منظومة تخزين للطاقة؟

الفكرة تستحق الدراسة

قد تكون هذه الفكرة بحاجة إلى دراسات فنية واقتصادية دقيقة لتحديد القدرات المثلى، وتأثيرها على الشبكة، وأنماط الطلب، ومعدلات المياه والتشغيل، وتكلفة إنشاء المحطات الشمسية.

لكنها تستحق أن تُدرس بجدية.

فإذا نجح النموذج، فلن نكون قد أضفنا مجرد محطة طاقة شمسية جديدة، بل سنكون قد ابتكرنا نظاماً متكاملاً لإدارة الكهرباء والمياه.

ننتج الكهرباء من الشمس عندما تشرق، وننتجها من الماء عندما تغيب.

نحافظ على المياه، ونقلل الضغط على التوربينات، ونستفيد من خطوط النقل القائمة، ونخفض الحاجة إلى بطاريات مكلفة.

وفي بلد مثل السودان، حيث الشمس لا تغيب تقريباً عن حسابات الطاقة، والماء أصبح أثمن من أي وقت مضى، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: هل نستطيع تنفيذ الفكرة؟

بل:

متى نبدأ في دراستها؟

#حديث_المدينة | السبت 8 أغسطس 2026

mohamed

بلو نايل بوست هي منصة إخبارية محلية وعالمية تهتم بنقل وتغطية الأحداث بكل مصداقية وحيادية. تسعى المنصة لتقديم تقارير دقيقة وشاملة عن الأحداث الجارية في مختلف المجالات، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي. يعمل فريق بلو نايل بوست على توفير معلومات موثوقة ومحايدة للقراء، بهدف توفير منصة إخبارية تساهم في زيادة الوعي والتثقيف في المجتمع. #بلو_نايل_بوست Blue Nile Post

مواضيع فى نفس السياق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى